محمد بن جرير الطبري
101
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : الذي فعل هذه الأفعال ، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس ، الله مالككم ومصلح أموركم ، وهو خالقكم وخالق كل شئ لا إله إلا هو يقول : لا معبود تصلح له العبادة غيره ، فأنى تؤفكون يقول : فأي وجه تأخذون ، وإلى أين تذهبون عنه ، فتعبدون سواه ؟ . وقوله : كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون يقول : كذهابكم عنه أيها القوم ، وانصرافكم عن الحق إلى الباطل ، والرشد إلى الضلال ، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله ، يعني : بحجج الله وأدلته يكذبون فلا يؤمنون يقول : فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم ، وركبتم محجتهم في الضلال . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين * هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) * . يقول تعالى ذكره : الله الذي له الألوهية خالصة أيها الناس الذي جعل لكم الأرض التي أنتم على ظهرها سكان قرارا تستقرون عليها ، وتسكنون فوقها ، والسماء بناء : بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم ، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم وصوركم فأحسن صوركم يقول : وخلقكم فأحسن خلقكم ورزقكم من الطيبات يقول : ورزقكم من حلال الرزق ، ولذيذات المطاعم والمشارب . وقوله : ذلكم الله ربكم يقول تعالى ذكره : فالذي فعل هذه الأفعال ، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم ، هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له ، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره ، لا الذي لا ينفع ولا يضر ، ولا يخلق ولا يرزق فتبارك الله رب العالمين يقول : فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم ، وسائر أجناس الخلق غيرهم هو الحي يقول : هو الحي الذي لا يموت ، الدائم الحياة ، وكل شئ سواه فمنقطع الحياة غير دائمها لا إله إلا هو يقول : لا معبود بحق تجوز عبادته ، وتصلح الألوهية له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته ، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين ، مخلصين له الطاعة ، مفردين له الألوهية ،